يحيي بن حمزة العلوي اليمني
39
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
دقيقة اعلم أنّ إطلاق لفظ المجاز على ما يفيده ، ليس على جهة الحقيقة ، وإنما يطلق على جهة المجاز ، لأمرين ، أمّا أوّلا : فلأن الحقيقة في هذا اللفظ ، إنما هو التعدّي والعبور ، وحقيقة ذلك إنما تحصل في انتقال الجسم من حيّز إلى حيّز آخر ، فأما في الألفاظ فلا يجوز ذلك في حقها ، وإنما تكون على جهة التشبيه ، وهذا هو فائدة المجاز ومعناه ، وأمّا ثانيا : فلأن المجاز وزنه « مفعل » وبناء المفعل حقيقة إمّا في المصدر ، كالمخرج ، والمدخل ، وإمّا في المكان ، والزمان ، إذا أريد به زمان الدخول ، والخروج ، ومكانهما ، فأما الفاعل فليس مستعملا فيه فيقال بأنه حقيقة كما قرّرنا من قبل أن اسم الحقيقة فعيلة بمعنى فاعلة ، أو مفعولة ، وعلى هذا يكون استعماله في اللفظ المنتقل عمّا كان عليه في الأصل لا يليق إلا مجازا . المسألة الثانية في تقسيم المجاز اعلم أن المجاز واسع الخطو في الكلام كثير الدّور فيه وليس يخلو حاله إمّا أن يكون واردا في مفردات الألفاظ أو في مركباتها ، أو يكون واردا فيهما جميعا ، فهذه مراتب ثلاث لا بدّ من كشف الغطاء عنها ، وبيان أمثلتها بمعونة الله . المرتبة الأولى في بيان [ المجازات المفردة ] وهذا نحو استعمال الأسد في الرجل الشجاع ، والبحر في الكريم ، والحمار ، في البليد إلى غير ذلك من المجازات المفردة وجملة ما نورده من ذلك أمور خمسة عشر . أولها : [ تسمية الشئ باسم الغاية ] التي يصير إليها ، وهذا نحو تسميتهم العنب بالخمر لما كان يصير إليها ، والعقد بالنكاح ، لما كان موصّلا إليه ، فلأجل توهمهم المبالغة أطلقوا هذه الألفاظ على ما ذكرناه وإن لم تكن حاصلة على ما ذكرناه لما كانت غايتها إليها . وثانيها : [ تسمية الشئ بما يشابهه ] ، وهذا نحو تسميتهم المذلّة العظيمة ، بالموت ، والمرض الشديد ، بالموت أيضا وهكذا الأمور الهائلة ، والأهوال العظيمة ، ووجهه المجاز إما من أجل المشابهة ، وإمّا لأنها تؤدّى إليه . وثالثها : [ تسميتهم اليد باسم القدرة ] كقوله تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] أي قدرته ، وقولهم : يد فلان على غيره قاهرة ووجه المجاز من جهة أن اليد محلّ للقدرة ، أو